الصفحات

رسالة الاستقبال




"الشريعة طِبّ المرضى و الفلسفة طب الأصحاء ، و الأنبياء يطبّون للمرضى حتى لا يتزايد مرضهم ...و أما الفلاسفة فإنهم يحفظون الصحة على أصحابها حتى لا يعتريهم مرض أصلا "
إخوان الصفاء






الثقافة الكونية عند هيقل


الثقافة الكونية عند هيقل
ابراهيم قمودي
         إن الكوني يبدو في الفلسفة كلمة مفتاح فما أن تبدو أطروحة ما قابلة للطعن على ضوء الكوني يتمّ دحضها نهائيا، وما أن تبدو أطروحة أخرى قابلة للدفاع من جهة الكوني يتمّ تحليلها. لكن هذه الكلمة المفتاح التي هي سند الوضوح والتميّز هي في ذاتها مفهوم غامض ولا يخلو من مفارقات. ولا يتعلق الامر بالنسبة إلينا بالتظنّن على الكلّي، بما أنّ من يتكلم الكوني يتكلّم الفلسفة، ولكن أن نرفع مع هيغل المفارقة الأولى في الكوني، فالكوني يُقال كفردي وليس هناك كوني قادر على أن يأخذ شكل الكلّ بل إنّ الكلّ ذاته قابل للتعداد وبالتالي لا يخلو من الفردي وربما ذلك ما جعل "هيغل" يقرّ :أنّ الكوني ليس إلاّ عملية تضمين للفردي" ففيما تتمثّل علاقة الكوني بالفردي؟ وما هو دور المثقف في تحقيق الكوني؟
إنّ الفرد بالنسبة لـ"هيغل" لا يتحرّر من طبيعته المباشرة إلاّ عبر اغتراب الذات المشكّلة وبالتالي يمكن له تحقيق اعتراف الآخرين به في بعده الإنساني النوعي ككائن ثقافي قادر على تحقيق كلّ أنواع الغايات، ذلك أنّ الثقافة في توجّهها المطلق هي عند هيغل التحرّر، هي فعل التحرّر الأرقى، فهي نقطة التحوّل المطلق نحو الروحاني السامي إلى شكل الكونية، فبفضل الثقافة تستطيع الإرادة الذاتية اكتساب الموضوعية داخل ذاتها، فتكون قادرة وجديرة بأن تحقّق الواقع الفعلي للفكرة، ذلك أن الإرادة الفردية لا تتوصل إلى تحقيق الحرية إلا إذا تعالت على الرغبات والدوافع الفردية، وبالتالي إلا إذا احترمت حركة السموّ المحايثة التي تجعل هذه الرغبات والدوافع الفردية متوسّطة في ذاتها، لا عبر خضوعها الخارجي للمطلب الأخلاقي مثلما هو شأن الإنسان الجاهل، بل إن الإرادة تحقق الحرية عبر تحرير العنصر الكوني والعقلاني الذي تحتويه من جهة كونها التمظهر الذي في ذاته للإرادة الحرّة، وذلك يتحقق في سيرورة الثقافة. ذلك أنّ دوْر الثقافة باعتبارها سيرورة مشكلة للطبيعة الخارجية عبر العمل ومشكلة في ذات الوقت للطبيعة المباشرة للإنسان، يتمثل بالنسبة لهيغل في توسّع الخصوصي والكوني. فالفرد لا يتحرّر من طبيعته المباشرة ولا يتأنسن إلاّ بفضل العمل إذ أنّ العمل يجعل الفرد خاضعا لنظام خارجي مغاير لنظام تحطيم الموضوع الذي تنحى إليه الرغبة الطبيعية للفرد، فالعمل كسلْبٍ جزئي لموضوعه لا يُموْضعُ الماهية الكلية والنوعية للذات الإنسانية إلا عبر تمكينها من تمثل ذاتها في مسافة مع الرغبات والحاجات الخاصة. و هذا يعني أنه، بالنسبة لهيغل، هناك قطيعة وتواصل في ذات الوقت بين الطبيعة والثقافة، والعنصر المحرّر الذي يحتوي عليه النشاط الغائي للعمل يمنع من تجذير الحرية في المباشرن يمنع دمج حالة الطبيعة و حالة الثقافة، ذلك أن الحاجة الطبيعية و اشباعها المباشر ليست إلا الحالة الروحية في الطبيعة، و بالتالي حالة غياب الحرية، فالحرية لا توجد إلا في انعكاس الروحي على ذاته. وهذا يعني أنه بالنسبة لـ"هيغل" يمثل الفكر العنصر الخاص بالكوني إذ لا شيء يصل إلى مرتبة الكوني إذا كان في شكل موضوع،فالكوني هو لا موضوعي جوهريا ولا يمكن تحققه إلا في إنتاج وإعادة إنتاج صيرورة الفكر، فالذات تستدعى في كلّ مرة كفكر في لحظة الإجراء أين يتكون الكوني. والكوني بهذا المعنى هو الذي يحدّد مواقف الذات وهو ما يعني أن الجدلية المركزية للكوني عند هيغل تتمثل في جدلية الجهوي كذات وجدلية الشامل كإجراء لا متناهي،وهذه الجدلية هي جدلية الفكرة ذاتها، ولذلك ليس هناك أي تغيير كوني ممكن للخصوصية كخصوصية. ومن هذا المنطلق الهيغلي يجب الاحتراس من الأطروحات الدارجة اليوم والتي تقرّ بأن وصفة الكونية الوحيدة تتمثل في احترام الخصوصيات لأن هذه الأطروحات تصطدم دائما بخصوصيات قد يعتبرها رُوّاد هذه الأطروحات كخصوصيات لا يمكن التسامح معها، خاصة وأنّ الإقرار بأن احترام الخصوصيات هو قيمة كونية يميّز قبليا بين خصوصيات جيدة وخصوصيات رديئة، فنقول مثلا بأن خصوصية ثقافية هي رديئة إذا لم تكن تتضمن في ذاتها احترام الخصوصيات الأخرى، و من هنا يجب الإقرار بضرورة التخلي عن الخصوصية إذا ما رمنا الكونية، وهو ما يعنيه هيغل عندما أقرّ "إن الإنسان المثقف هو الذي يحسن ختم أفعاله ببصمة الكلية، وهو الذي تخلى عن خصوصيته بحيث أصبح يتصرّف وفق مبادئ كلية". وهذا يعني بأن الكوني لا يتقدّم كتقنين للخصوصي أو للاختلافات ولكن كفرادة تملصت من المحمولات الهووية رغم كونها تشتغل في هذه المحمولات وبها.
         ولكن ماذا لو نزعت فرادة للكوني؟ هل يمكن أن نقول عندها أن الكوني واحد بالنسبة للكلّ؟ هل يمكن أن نقول عندها أن الانخراط في الكلي لا يرتبط بأيّ تحديد خصوصي؟ أليس معنى التاريخ عند هيغل مرتبطا بمعنى الارتقاء والتقدم لما هو أفضل؟ ألم يعبر هيغل عن كون الروح بما هي الثقافة الإنسانية تتجسد في التاريخ المتصل بالشعوب وأن هذا الروح يتجسّد في الشعب الألماني؟ ألا يتنزّل هذا القول في موقف شعوبي؟ وإذا كان هيغل في تصوره للتاريخ قد اعتبر تحقق روح المطلق هو نهاية للتاريخ ألا يكون قد شرّع لمفكّر مثل "فوكوياما" بإعلان نهاية التاريخ في انتصار الرأسمالية على الاشتراكية التي تمظهر فشلها في تفكك الاتحاد السوفياتي؟ علينا إذن أن نميز بين كونية حقيقية تؤسس الإنساني  وأخرى ليست إلا خصوصية مدعية للكونية، خصوصية تتقدّم في شكل كونية تمثل خطرا على ما هو إنساني، وإذا كان الانتصار للخصوصية وانغلاق الهوية على ذاتها يقضي على الإنساني فإن، و بالتوازي، انفتاح الهوية نحو الهيمنة، وهو ما يتجلى في مفهوم العولمة، هو أيضا خطر على الإنساني.

في تنسيب قدرة الأنظمة الرمزية

في تنسيب قدرة الأنظمة الرمزية
ابرهيم قمودي
إن القيمة الفلسفية لتنسيب قدرة الأنظمة الرمزية على تحقيق تواصل إنساني تتمثل في إبراز حدود كلّ هذه الأنظمة و بالتالي إبراز العوائق التي تحول دون التواصل، خاصة و أن الوقوف على سلطة الأنظمة الرمزية على الذات و الوعي بعوائق التواصل من شأنه أن يكشف عن أفق التواصل الحقيقي أملا في وعي الذات بأنها لا يجب أن تستعمل الأنظمة الرمزية كما لو كانت حواسيب تستعمل رموزا و أنظمة هيكلية، ذلك أن الذات لها القدرة على توليد المعنى من جهة كونها فكر، و خصوبة الدلالات و تعدّد المعنى يفتح المجال أمامها للإبداع خاصّة و أنّ الوعي بشروط التواصل قد يمكننا من تلطيف سلطة الأنظمة الرمزية علينا و بالتالي التحرر من سلطانها.
إن الفلسفات الناقدة للمجتمعات الاستهلاكية و ما ألحقته من اغتراب بالإنسانية، هي فلسفات تقف على أنقاض الحداثة لفضحها و لكشف فشلها كمشروع في إثراء الإنساني و لاجتراح الكونية المزعومة التي حققتها. و من هذا المنطلق سعى هوركهايمر M.Horkheimer و أدورنو T.Adorno إلى فهم المفارقة التي يفتح عليها التقدم التقني، مفارقة تتمثل في انبجاس أشكال البربرية التي عرفها القرن العشرين، بربرية في أحشاء الحضارة المتطوّرة، إنهما يحاولان الكشف عن التباس العقل، إذ يلاحظان أن السيطرة على الطبيعة مرتبطة ارتباطا وثيقا بتحرّر النوع الإنساني، إذ يتحرّر الإنسان من الحاجة الطبيعية. و لكن هذه الحركة الأوّلية و الأولى لسيادة الذات التي تتحقق عبر السيطرة على الطبيعة كمشروع للحداثة جعلت من وجود الذات وسيلة للهيمنة على مجموع العالم و وسّعت من هذه الهيمنة لتشمل الإنسان أيضا. لذلك يقرّ هوركهايمر و أدورنو أنّ نتائج هذه السيادة تتمثل في كون النسق الثقافي الذي محوره البضاعة أدّى إلى استعباد الإنسان، وهكذا فإن علاقات الاتصال اضطربت كثيرا في المجتمعات الحالية تحت تأثير الأمراض الاجتماعية الناتجة عن فرط التقدّم التقني ولا يتعلق الأمر فقط بمشاكل اللاتساوي المادي الذي يتعلق بالدخل وبظروف الحياة بل يتعلق الأمر بعدم الاعتراف  و بإهانة الفئات غير المحظوظة الذي غدا صراعها اليوم صراعا من أجل الاعتراف بها، صراعا ضد اللاعدل الذي تعاني منه وصراعا من أجل تحسين ظروف العيش. ذلك أن العنف الرمزي في الحضارة الصناعية دائم الحضور و يشكل بعمق كلّ أصناف الهيمنة.
و العنف الرمزي عند بورديو P.Bourdieu هو ذلك العنف الذي يولد التبعية التي لا تُرى، بالاستناد إلى انتظارات جماعية و اعتقادات اجتماعية أنتجتها و رسختها وسائل الاتصال، إذ أنه يستند إلى نظرية في إنتاج الاعتقادات. و في هذا العنف الرمزي تتجلى السلطة الرمزية باعتبارها سلطة تكوين المعطى بمجرد التصريح به، سلطة الفعل في العالم عبر الفعل في تمثل العالم، و تتحقق في علاقة تنتج الاعتقاد في شرعية كلمات أو شرعية الأشخاص الذين ينطقونها. في حين أن مقومات التواصل المتمثلة في الاعتراف بالآخر و بحقه في الاختلاف و التعارف المتبادل الذي يجعل التفاهم ممكنا، مبنية على معياريْ الحقيقة و الحرية كقيم، و هي بالذات القيم التي داستها وسائل الاتصال الموغلة في التقدم. فما يتواصل الناس حوله اليوم في إطار غزو الوسائل التكنولوجية لكلّ الفضاءات الإنسانية هو "الخطاب الكاذب" الذي تتناقله وسائل الإعلام، هو هذا الخطاب الذي لا يؤدي إلاّ إلى اغتراب الإنسان عن مشاكله الأصيلة و قضاياه الوجودية، عبر تحويل موضوع التواصل إلى بضائع يتمّ تقديمها بشكل يغري الناس من أجل تحقيق الربح، فالعملية الاشهارية مثلما بين ذلك ماركوز H.Marcuse تقوم بغسل الدماغ و بتجميل القبح، مما يفضي إلى فرض مواقف و عادات على الناس و يُلهيهم عن مشاكلهم الحقيقية، إنه الاغتراب الذي يميز الواقع الإنساني اليوم.
ذلك أن نمط الحياة المعاصرة يتسم بالتكالب على المصالح و بتقديس التقنية و منتجاتها الناجعة في غير اكتراث بالبعد الثقافي و الروحي للوجود الإنساني. لقد أطردت الثقافة تحت وقع النزعة المادية. و لا يتعلق الأمر بالنسبة إلى ميشال هنري M.Henry بانحطاط القيم الفنية و القيم الأخلاقية و القيم الدينية و القيم  الثقافية بل بإعدامها، لا يتعلق الأمر بأزمة في الثقافة و لكن بصيرورة تحطيمها. إذ نلاحظ اليوم تراجعا للإنساني في كل المستويات تحت تأثير وسائل الاتصال و خاصة وسائل الإعلام التي تنشر خطابا رديئا يتمثل في خطاب «مقدمو البرامج التلفزية و السياسيون و المغنّون و الأوغاد و العاهرات و أبطال شتّى الرياضات و المغامرون بشتّى أصنافهم»، أولئك الذين هم اليوم «الكهنة الجدد، المفكرون الحقيقيون لزماننا»، و بكل اختصار: «إننا ندخل في البربرية» تلك فاتحة كتاب «البربرية» لميشال هنري. و التشخيص الذي يقوم به كلّ من هوركهايمر و أدورنو لواقع الإنسان في المجتمعات الاستهلاكية المريضة يبرز انعزالا مزدوجا للإنسان، انعزال روحيّ وانعزال مادي. انعزال روحي يتمظهر في غياب التواصل و العلاقات الحميمية بين الناس في إطار تنظيم عقلاني للعمل لا يهتمّ بما هو إنساني بقدر ما يسعى إلى تحقيق الربح الأوفر. و داخل مفارقة تطوّر وسائل الاتصال و عزلة الإنسان يبرز هوركهايمر و أدورنو مفارقة انعزال الفرد داخل المجموعة، فالموظف في إطار التنظيم للجديد للعمل يعمل مع الجماعة في فضاء فسيح و لكن فضاء تغيب فيه الحوارات الخاصة حيث يُمنع العامل من إضاعة الوقت فينعزل داخل الجماعة ذاتها. و هذه العزلة الروحية مضاعفة بعزلة مادية، عزلة ماديّة تتجلى في أبسط أشكالها في استبدال وسائل النقل العمومية أين يكون الاحتكاك بين الأنا و الآخر فضاء للتحاور و التبادل بوسائل نقل عصرية و أكثر تطورا تتمثل في السيارات الخاصة التي تقضي على إمكان اللقاء بين الناس و الحوارات الوحيدة الممكنة داخل السيارة هي حوارات متعلقة بالمصلحة العملية.
وهكذا يبدو أن تعدّد وسائل الاتصال وتقدمها، و عوض أن تساهم في تفعيل الحوار بين الناس وتدعيم التواصل، أدت عكس ذلك إلى شلّ التواصل خاصة و أن تنظيم المجتمعات وفق النموذج العقلاني الذي سهّل على الإنسان السيطرة على الطبيعة مكن السلطات من السيطرة على الإنسان و تحويله إلى مجرّد بضاعة و موضوع يتحقق الربح على حسابه. و ليس غريبا في ظل غياب الحقيقة التي عوضها الكذب الإعلامي، و في غياب الحرية التي عوضتها تبعية الإنسان للأشياء المادية أن يتعطّل التواصل. و العدالة الوحيدة التي تحققت في الحضارة ليست عدالة اجتماعية و لا هي عدالة سياسية، و إنما هي عدالة لا تساوي كلّ الناس و تماثلهم في وضعية العزلة التي أنتجتها وسائل الاتصال

الصورة


الصورة
 يلاحظ "رولون بارط" أن ما يميّز مجتمعاتنا المعاصرة هو تنوع أنظمة التواصل وكلها أشكال تعبيرية لسانية أو غير لسانية وتمثل الحامل الأسطوري للتواصل المعاصر، غير أن هذا الجمع بين الأنظمة التواصلية يفسح بالنسبة إليه مجالا لكشف القدرة التأثيرية للأشكال التواصلية، إذ هي أشكال لها وظائف دالة ضمن نطاق الوضعية التي ترتبط بها داخل نسيج العلاقات بين الأفراد والمجتمعات أين تتكون علامات تجمع بين مفهوم وصورة أو بين شكل ومعنى و تعبر عن نسق تواصلي، و الصورة بالنسبة إليه لا تخلو من الإكراه البنيوي الذي يميز اللغة، بل إن الصورة «آمرة أكثر من الكتابة» بما أنها تفرض الدلالة دون تحليل و دفعة واحدة.
و في نفس الإطار يعتبر جون بودريار J.Boudillard  أن كل الوسائط تمثل رسائل تُخضِع المشاهد للإكراه والقصر، فالإنسان المعاصر محكوم بنظام علامات تمثل بدائل عن الواقع ذلك أن "المضمون يحجب عنا في معظم الأحيان الوظيفة الحقيقية للوسيط: فهو يقدّم نفسه كرسالة" حيث يكون استهلاك الرسالة هو ذاته الرسالة، رسالة تمجيد المضمون بوصفه علامة و هو ما يصح على كل الوسائل الإعلامية التي غدت الصورة علامتها المميزة.
وهذا التراكم الهائل للصور كبضاعة للاستهلاك جعل غي ديبور Guy Debord يتحدث عن المجتمعات المعاصرة باعتبارها مجتمعات الفرجة إذ تمثل الفرجة عنده رؤية كلية للحياة. والفرجة هي أساسا ترسانة من الصور المؤثرة على المشاهد وهي ظاهرة تشمل مختلف المجالات المعنية بالاستهلاك أي مختلف المجالات الخاصة بالوجود الإنساني مما جعل ديبور يتحدّث عما سمّاه بالاستعباد المعمّم الذي يمثل وجها من الاغتراب والاستيلاب الذي يشمل كلّ الناس دون تفرقة، الصغير والكبير، الفقير والغني، الرجل والمرأة، وهذا الاغتراب له قدرة تأثيرية بالغة تُستمدّ من الأساس الاقتصادي بحيث تُطوّع الصورة والكلمة لتشكيل الوعي الزائف، إنه تأثير يغري الجُموع صنعه مخططوا الاقتصاد الليبرالي للتحكم في سلوك الناس وإبعادهم عن حياتهم الواقعة عبر التشبه بسلوك المشاهير والنجوم الذين يتصدرون الفرجات الاشهارية. وبقدر ما تعتمد الفرجة أنواعا من الصور الباهرة وأشكال الترفيه المغرية، يتحوّل الإنسان المستهلك للسلع إلى مستهلك للأوهام، والصورة التي كانت في الأصل تبلّغ الدلالة وتحدث التواصل تحولت إلى عنصر تأثير مفسد للتواصل الحقيقي ومعطل للحوار بين الذوات.
        فالصورة تجعلنا نردّ الفعل بنوع من الاسكيمة الحسية الحركية، ردّ فعل مشرط، إذ بواسطته تتولّد ردود أفعال عضلية في الجسد، وهي ردود تُرى على الوجه، إلى درجة أننا نتبيّن مباشرة ما تنتجه صورة جسدنا في الآخر، الانجذاب أو الشهوة، اللامبالاة أو حتى الرفض، ويجب أن نلاحظ أن ردّ الفعل هذا يكون مصحوبا بإحساس، إحساس لا نفقد واقعيته أبدا ولا نشكّ في حقيقته قطّ بما أن الإحساس الذي هو مكابدة الذات لذاتها ليس في حاجة إلى شيء ليرتقي إلى يقين واقعيته وهذا يعني أن سلطة الصورة تُستمدّ أوّلا من جهة كونها تستند على واقعية الإحساس الذي نولّده إذ لا أحد يشكّ في ما يبصره. وهكذا فإنّ الوعي المباشر يقدّم حكما مسبقا حول تطابق بين التمثل الحسي وكيان الشيء الذي يولّد هذا التمثل، تماما كما لو لم يكن هناك فرق واضح بين الانعكاس والنموذج، بين الأصل والصورة كإعادة إنتاج بالتقليد.
          ومن هذا المنطلق فإن سلطة الصورة تكون كبيرة على الحسّ المشترك خاصة وأنّ الصورة تعكس رغبة من قام بأخذها أكثر مما تعكس الواقع ذلك أن سلطة الصورة تستند إلى ميل الإنسان إلى تحويل حاجاته إلى معرفة أي الاعتقاد في ما يريد رؤيته، ومن هنا يتأتى استخدام الصور كأداة في الخطاب الديني أملا في خلق الخلط بين واقع الصورة والواقع الذي تتمثله وكذلك الشأن في الحروب الإعلامية الموجهة إيديولوجيا.
          يتعلق الأمر إذن بقوة خاصة، بوظيفة تعطي للصورة قدرة فعلية على توليد ردّ فعل مباشر و فعل منعكس شرطي، والفعل يقتضي معرفة نعتبرها يقينية أو على الأقل محتملة بحيث لا نضعها موضع شكّ على الأقل في لحظة الفعل. وهذه السلطة التي للصورة جعلت ريجيس ديبراي R.Debray يقسم تاريخ الإنسان والحضارات إلى ثلاث عصور محكومة بنُظُم سلطوية متناسبة مع الشكل الذي تتخذه الصورة في كلّ عصر:
1 عصر الخطاب رمزه أفلاطون و شكل صورته هو الصنم الذي يتطلب الرهبة، والنظام السياسي الذي يقابله هو الثيوقراطية.
2 عصر الأشكال رمزه ديكارت وشكل صورته الفن الذي يتطلب الحياة ونظامه السياسي يسميه ديبراي الايديوقراطية أي سلطة الفكر.
3 والعصر الثالث هو عصر الشاشة رموزه "الكهنة الجدد"، على حد عبارة ميشال هنري، الذين يمثلهم المشاهير، وشكل الصورة هو الصورة البصرية التي ترتبط بالمصلحة أمّا النظام السياسي الذي تولّده فهو "الفيديوقراطية".
          هذا يعني أن كلّ حضارة بالنسبة لـديبراي تنتج صورا هي مجال وسائطي يشكل وعيا زائفا، نظاما «يمارس قيادة صارمة للعقول إلى درجة لا يتمّ التفكير فيه باعتباره كذلك»، ذلك أن كلّ نظام سلطة يقدّم نفسه على أنّه بديهي ومن هذا المنطلق يرى ديبراي  أنّ الصورة التي ترينا العالم هي بالذات ما يمنعنا من النظر إليه.

المقدس

المقدس
إنالمقدس هو قبل كل شيء تجربة انفعالية، وهو تجربة تنحو إلى أن تتواصل فيتمثلات، و في صور، و في مقولات ثقافية، و في الممارسة، و في مؤسساتدينية. و بهذا المعنى فإن الدين ليس إلا وضع تجربة المقدس في مؤسسة، أوإن شئنا مقدس مؤسساتي يوضع في علاقة بمقدس مؤسس للتجربة ذاتها. و يجبأن نلاحظ أن تجربة المقدس هي ضرب روحاني من المعانقة للعالم، إنها حدسمؤسس لنوع من الحضور الغامض لشيء يتجاوز الحدود المعتادة للتجربةالإنسانية، و هذا الشيء مغاير تماما للدنيوي و يفلت من ظروف التجربةالمدنسة رغم كون ما فيه و ما به يتمظهر المقدس هو المدنس أوالدنيوي.
          إن المقدس هو خاصية لا تمتلكها الأشياء من جهة كونها أشياء، و لكن هو خاصية تضفيها عليها عناية ملغزة،  فهو خاصية بعض الأشياء ( كأدوات العبادة : السجاد، عصا الراهب...)، وبعض الناس ( الملك، الراهب..)، و بعض الأمكنة (المعبد، المسجد...)، و بعض الأوقات (يوم الجمعة، يوم السبت، أيام الأعياد...). لذلك يمكن أن نحدد المقدس باعتباره واقعا مطلقا يتجاوز الواقع الإنساني و الأرضي. فالمتدين يتوجه إذن إلى العالم اللاإنساني للقيم المتعالية، و هو ما يتضمن قطيعة مع العالم الأرضي. و هذا يعني أن الدين يرتبط  بثنائية المقدس و المدنس، يقول ميرسي إلياد :«إن كل التحديدات المعطاة إلى حدّ الآن للظاهرة الدّينية، تحتوي على قاسم مشترك : فكل تحديد يقرّ تناقضا بطريقته، بين المقدس و الحياة الدينية و المدنس و الحياة الدنيوية»، فبالنسبة إليه تفترض التجربة الدينية دائما الاعتقاد بكون شيء ما يأتي من العالم الآخر، و بالتالي مخالف للتجربة المعتادة التي تميز المدنس و يتمظهر. و هذا الشيء المخالف تماما هو المقدس الذي يشارك ضرورة في التعالي.
          لكن إذا كانت هناك قطيعة بين العالم الأرضي و العالم الآخر، فكيف يدخل المؤمن في علاقة مع العالم المقدس؟
إن ذلك يتم بفضل الرموز، فالرمز يسمح بالانفتاح على الواقع المطلق، لأن شيء ما عندما يصبح رمزا يمتلك معنى مغاير، إذ يشير إلى شيء آخر غيره. لذلك يمكن أن يكون الرمز شيئا ما أو أسطورة ما أو طقسا ما، يقود الإنسان إلى اكتشاف بعد آخر هو المقدس الذي يفلت بالماهية من كل لغة و ذلك ما تشهد عليه تمثلات الفن الأكثر بدائية و الأكثر تعقيدا، مما جعل الأنتروبولوجيا الدينية تدرس كل أصناف المحاكاة التي تمكنها من تناول المقدس كوحدة حية عن طريق البحث عن النماذج الثقافية و الإنسانية اللاواعية التي تقف وراءها، خاصة و أن الدين هو نسق يعبر عن ذاته بواسطة طقوس تشغل الرمز و الأسطورة. و هذا يعني أن الرمزية الشعائرية و الأيقونية تحيلنا دائما إلى نموذج-مثال أسطوري، فهي تحليل رمزي لنموذج إلاهي، لفعل أول مؤَسِّس، فعيد الأضحى في الإسلام مثلا، يحين حادثة النبي إبراهيم مع ابنه إسماعيل، وهي رمزية تحيل إلى معاني مختلفة : الموت، البعث، قدر الإنسان...إلخ إذ تقيم تواصلا أسطوريا بين مختلف مستويات الواقع الكوني و بعض ضروب الوجود الإنساني. و بما أن الرمز الديني يمكن المؤمن من إقامة علاقات بين الوقائع المختلفة فإن وحدة العالم يمكن أن تدرك عبره فيجد المؤمن مكانه في العالم و يضفي معنى على قدره.
          و إذا كانت تجربة المقدس مرتبطة بالقدرة الرمزية التي للإنسان و التي جعلت اللغة و الفن و كل أشكال التعابير الإنسانية الأخرى ممكنة، فإن كل تراجع للفكر الرمزي يؤدي بالضرورة إلى تراجع قدرة الإنسان على تجربة المقدس، ذلك أن كل تدنيس يقتل الروحاني في الإنسان. و تراجع الفكر الرمزي يمكن أن يتخذ عدة أشكال، فإما أن ينتصر الإنسان للفكر المنطقي، مثلما هو الشأن في المجتمعات الغربية، و يحيل الفكر الرمزي إلى العلم البدائي، أو إلى عالم الأطفال و الشعراء أو حتى عالم المجانين، أو مثلما يكون عليه الحال في بعض الإضطرابات الإجتماعية و النفسية، و إما أن يسقط الإنسان في التعصب حيث تغيب الخاصية الرمزية للرمز، فالرمز الذي من المفروض أن يحيل إلى العالم الآخر، عالم المقدس، يعتبر هو ذاته هذا العالم الآخر، و يكف على أن يكون أيقونة و يصبح معبودا فيتولد العنف و الإرهاب و الإرهاب المضاد.        

حدود الصورة


حدود الصورة

يلاحظ "رولان بارت" أن ما يميّز مجتمعاتنا المعاصرة هو تنوع أنظمة التواصل وكلها أشكال تعبيرية لسانية أو غير لسانية وتمثل الحامل الأسطوري للتواصل المعاصر، غير أن هذا الجمع بين الأنظمة التواصلية يفسح بالنسبة إليه مجالا لكشف القدرة التأثيرية للأشكال التواصلية، إذ هي أشكال لها وظائف دالة ضمن نطاق الوضعية التي ترتبط بها داخل نسيج العلاقات بين الأفراد والمجتمعات أين تتكون علامات تجمع بين مفهوم وصورة أو بين شكل ومعنى و تعبر عن نسق تواصلي، و الصورة بالنسبة إليه لا تخلو من الإكراه البنيوي الذي يميز اللغة، بل إن الصورة «آمرة أكثر من الكتابة» بما أنها تفرض الدلالة دون تحليل و دفعة واحدة.
و في نفس الإطار يعتبر جون بودريار J.Boudillard  أن كل الوسائط تمثل رسائل تُخضِع المشاهد للإكراه والقصر، فالإنسان المعاصر محكوم بنظام علامات تمثل بدائل عن الواقع ذلك أن "المضمون يحجب عنا في معظم الأحيان الوظيفة الحقيقية للوسيط: فهو يقدّم نفسه كرسالة" حيث يكون استهلاك الرسالة هو ذاته الرسالة، رسالة تمجيد المضمون بوصفه علامة و هو ما يصح على كل الوسائل الإعلامية التي غدت الصورة علامتها المميزة.
وهذا التراكم الهائل للصور كبضاعة للاستهلاك جعل غي ديبور Guy Debord يتحدث عن المجتمعات المعاصرة باعتبارها مجتمعات الفرجة إذ تمثل الفرجة عنده رؤية كلية للحياة. والفرجة هي أساسا ترسانة من الصور المؤثرة على المشاهد وهي ظاهرة تشمل مختلف المجالات المعنية بالاستهلاك أي مختلف المجالات الخاصة بالوجود الإنساني مما جعل ديبور يتحدّث عما سمّاه بالاستعباد المعمّم الذي يمثل وجها من الاغتراب والاستلاب الذي يشمل كلّ الناس دون تفرقة، الصغير والكبير، الفقير والغني، الرجل والمرأة، وهذا الاغتراب له قدرة تأثيرية بالغة تُستمدّ من الأساس الاقتصادي بحيث تُطوّع الصورة والكلمة لتشكيل الوعي الزائف، إنه تأثير يغري الجُموع صنعه مخططو الاقتصاد الليبرالي للتحكم في سلوك الناس وإبعادهم عن حياتهم الواقعة عبر التشبه بسلوك المشاهير والنجوم الذين يتصدرون الفرجات الاشهارية. وبقدر ما تعتمد الفرجة أنواعا من الصور الباهرة وأشكال الترفيه المغرية، يتحوّل الإنسان المستهلك للسلع إلى مستهلك للأوهام، والصورة التي كانت في الأصل تبلّغ الدلالة وتحدث التواصل تحولت إلى عنصر تأثير مفسد للتواصل الحقيقي ومعطل للحوار بين الذوات.
        فالصورة تجعلنا نردّ الفعل بنوع من الاسكيمة الحسية الحركية، ردّ فعل مشرط، إذ بواسطته تتولّد ردود أفعال عضلية في الجسد، وهي ردود تُرى على الوجه، إلى درجة أننا نتبيّن مباشرة ما تنتجه صورة جسدنا في الآخر، الانجذاب أو الشهوة، اللامبالاة أو حتى الرفض، ويجب أن نلاحظ أن ردّ الفعل هذا يكون مصحوبا بإحساس، إحساس لا نفقد واقعيته أبدا ولا نشكّ في حقيقته قطّ بما أن الإحساس الذي هو مكابدة الذات لذاتها ليس في حاجة إلى شيء ليرتقي إلى يقين واقعيته وهذا يعني أن سلطة الصورة تُستمدّ أوّلا من جهة كونها تستند على واقعية الإحساس الذي نولّده إذ لا أحد يشكّ في ما يبصره. وهكذا فإنّ الوعي المباشر يقدّم حكما مسبقا حول تطابق بين التمثل الحسي وكيان الشيء الذي يولّد هذا التمثل، تماما كما لو لم يكن هناك فرق واضح بين الانعكاس والنموذج، بين الأصل والصورة كإعادة إنتاج بالتقليد.
          ومن هذا المنطلق فإن سلطة الصورة تكون كبيرة على الحسّ المشترك خاصة وأنّ الصورة تعكس رغبة من قام بأخذها أكثر مما تعكس الواقع ذلك أن سلطة الصورة تستند إلى ميل الإنسان إلى تحويل حاجاته إلى معرفة أي الاعتقاد في ما يريد رؤيته، ومن هنا يتأتى استخدام الصور كأداة في الخطاب الديني أملا في خلق الخلط بين واقع الصورة والواقع الذي تتمثله وكذلك الشأن في الحروب الإعلامية الموجهة إيديولوجيا.
          يتعلق الأمر إذن بقوة خاصة، بوظيفة تعطي للصورة قدرة فعلية على توليد ردّ فعل مباشر و فعل منعكس شرطي، والفعل يقتضي معرفة نعتبرها يقينية أو على الأقل محتملة بحيث لا نضعها موضع شكّ على الأقل في لحظة الفعل. وهذه السلطة التي للصورة جعلت ريجيس ديبراي R.Debray يقسم تاريخ الإنسان والحضارات إلى ثلاث عصور محكومة بنُظُم سلطوية متناسبة مع الشكل الذي تتخذه الصورة في كلّ عصر:
1 عصر الخطاب رمزه أفلاطون و شكل صورته هو الصنم الذي يتطلب الرهبة، والنظام السياسي الذي يقابله هو الثيوقراطية.
2 عصر الأشكال رمزه ديكارت وشكل صورته الفن الذي يتطلب الحياة ونظامه السياسي يسميه ديبراي الايديوقراطية أي سلطة الفكر.
3 والعصر الثالث هو عصر الشاشة رموزه "الكهنة الجدد"، على حد عبارة ميشال هنري، الذين يمثلهم المشاهير، وشكل الصورة هو الصورة البصرية التي ترتبط بالمصلحة أمّا النظام السياسي الذي تولّده فهو "الفيديوقراطية".
          هذا يعني أن كلّ حضارة بالنسبة لـديبراي تنتج صورا هي مجال وسائطي يشكل وعيا زائفا، نظاما «يمارس قيادة صارمة للعقول إلى درجة لا يتمّ التفكير فيه باعتباره كذلك»، ذلك أن كلّ نظام سلطة يقدّم نفسه على أنّه بديهي ومن هذا المنطلق يرى ديبراي  أنّ الصورة التي ترينا العالم هي بالذات ما يمنعنا من النظر إليه.

توزيعية خاصة بدرس: التواصل والأنظمة الرمزية

جذاذة
العناصر
المعاني
السند
التوقيت
حوار مع التلاميذ يستهدف تقديم المسالة
تحديد معاني التواصل و الانظمة الرمزية
وضعية استكشافية من الوضعيات الثلاث


2س
1/ التواصل بما هو امكان العلاقة بين الانية والغيرية .

التواصل- الانا - الاخر
§        نص الاخر شرط اللغة : قوسدوروف
§  او الاخر شرط التواصل الكوني :هوسرل

2س
2/ الانسان والرمز.
الرمز-
·        نص الانسان حيوان رامز : كاسيرار

2س
3/التجليات الرمزية:الرمزي دلالاته وتجلياته.






   *أ/ اللغة بما هي نظام رمزي :
اللغة – الوساطة - الرسالة
 الانسان واللغة : بنفنيست

2س
  * ب /المقدس :
 المقدس – الاسطورة
نص الاسطورة رؤية للعالم : غارودي  او
الحاجة الى الدين : فروم
2س
 * ج/ الصورة :
الصورة -
نص  المشهد صورة للعالم  : غي دي بور
2س
4/ الانظمة الرمزية : وساطة ام هيمنة.
الوساطة -  الهيمنة -
نص :في التحرر من سلطة الصورة : بودريارد او
نص السلطة الرمزية : بورديو
2س




توزيعية خاصة بدرس: التواصل والأنظمة الرمزية / 4 آداب

الأستاذ: الشاذلي الكسابي

الإنساني بين الكثرة والوحدة الخصوصية والكونية


الإنساني بين الكثرة والوحدة
الخصوصية والكونية
1- الهوية:  إشكالية المعنى:
أ- الهوية بما هي خصوصية:
النص الستد: "الهوية الشخصية" ج.لوك. ص:170
تمهيد:
إنّ البحث في الهوية هو أسلوب من أساليب تأكيد الذات، وإثبات الوجود وتحقيق الاستقرار والطمأنينة. ولكن هذا السؤال الذي فرض نفسه على الإنسانية سؤال من أنا؟ وكذلك سؤال من تحن؟ هو سؤال محيّر لأنّه لا يتعلّق بالحاضر بل يتعلّق أكثر بالماضي والحاضر والمستقبل. وهذا ما يدفعنا اليوم لمساءلة هذا المعنى. فما هي دلالته؟ وما هي الإشكاليات التي يثيرها؟
حركة النّص:
1/ في دلالة الهوية الشخصية:
أ/ معنى الشخص:
ب/ في التمييز بين الهوية والهوية الشخصية:
2/ استتبا عات هذا التحديد:
التحليل:
     1/ أ- الهوية الشخصية بالنسبة لـ"لوك"، هي نظرة الذات لذاتها، إنّه يحدّد  الهوية الشخصية من خلال تحديده لمفهوم الشخص، والشخص عنده هو "كـائن مفكـّر وذكيّ"، وهو الذي يدرك ويدرك أنّه يدرك. وهذا يعني أن "لوك" بتوحيده بين الوعي والنفس يعزل الوعي عن بقية العالم ويميز راديكاليا بين الهوية بالوعي والهوية بأي شيء آخر غير الوعي أو الشخص لأن الوعي هو الذي يحدّد الشخص، والشخص لا تكون هويته مثل بقية الكائنات الحية مدركة من الخارج، إنّه كائن مفكر وذكيّ، لا يتدخل لا الجسد ولا اعتراف الآخر في يقين هويته. فهويته الشخصية إذن تتحدّد بتواصل الفكر في الزمان والمكان، فهي الإحساس اللامنقطع للشخص بأنه هو عينه. إذن مشكل الهوية عند "لوك" هو مشكل معرفة أو بالأحرى مشكل تعرف لا مشكل أنطولوجي، والخاصية التي تجعلنا نعتبر شيئا ما هو هو لا شيئا آخر.
هكذا يعتبر الإنسان في تقدير "لوك" هوية شخصية Identité personelle : تحيل على ما تختصّ به الذات من تفرّد ووحدة وتشمل الوعي بالذات وتمثّل الفرد لها.
ب- بهذا الفهم، ميّز "لوك" الهوية الشخصية عن باقي الهويات الأخرى مثل:
* الهوية العددية: عندما يتعلق الأمر بجسم فيزيائي، فإن الهوية تكون عددية وتتغير بتغير عدد الذرّات التي تكوّن هذا الجسم، فشيئين متماثلين يختلفان عدديا من جهة اعتبارهما اثنين.
* الهوية النوعية: عندما يتعلّق الأمر بكائنات حية فإن العدد لا يكفي بما أنّ أجزاء الجسم الحي تتغير باستمرار في حين يبقى الجسد هو هو، إذ هو نفس الكائن الحي فالمهر والحصان هما نفس الكائن الحي. والهوية هنا تتحدّد بتنظيم الأجزاء. ولكن هذه الهوية تُحمل أيضا على الآلات الصناعية وكذلك شأن الهوية الإنسانية فإنها تُقال بهذا المعنى حسب "لوك" إذ هي تُقال على الإنسان من جهة كونه كائنا حيا يتميز بشكل ما أو بصورة ما، وإذا ما غير الإنسان شكله أو صورته  ويتخذ مثلا صورة كائن آخر ويحافظ على روحه فإنه لا يمكن أن يعين كإنسان رغم كونه عاقل. وبالمثل إذا اتخذ ببغاء شكل إنسان وصورته فإنه سيتعيّن من طرف الآخرين كإنسان لا كببغاء، وهذا يعني أن الانطباع التجريبي الحاصل للآخر هو الذي يؤسس الهوية الإنسانية.
وإلى جانب ما بينه"لوك" يمكن الإشارة إلى:
* الهوية المنطقية: وهي علاقة التّساوي بين شيئين اثنين، كقولنا: الإنسان = حيوان ناطق. إذن للهوية المنطقية معنى ثابت: الهو هو.
* الهوية الاجتماعية: Identité sociale   : تعني كلّ ما يؤمّن التعرّف إلى الذات من الخارج وترتبط بجملة الأنظمة التي تشترك فيها الذات مع  الأعضاء الآخرين  داخل المجتمع الواحد . وتمثل الأساس الذي يستمد منه أي مجتمع اختلافه وتميّزه عن مجتمع آخر.
* الهوية الثقافية: Identité culturelle  : تتضمّن كل ما هو مشترك بين جميع أفراد المجتمع مثل القواعد والمثل والقيم التي يشترك فيها الفرد مع بقية أفراد المجتمع.ويمكن أن نتحدث أيضا عن هوية بينثقافية interculturelle Identité في حالة التبادل والحوار بين ثقافات مختلفة.
       وأخيرا يمكن القول أنّ الهوية تعني ما به يكون الشيء هو نفسه. فهي حقيقة الشيء أو الشخص المشتملة على صفاته الجوهرية العينية، ونجد في التراث الفكري العربي أن الهوية تشير إلى الخصوصية والوجود المنفرد الذي لا يقع فيه اشتراك. فكل ما كان في جانب العينية والهوية والذاتية والوحدة يميل إلى التطابق والمساواة والتماثل. أما ما كان مخالفا للهوية والعينية والذاتية فهو غير وسوى ومختلف. والدلالة نفسها نجدها في التصور المعاصر، فالهوية تعبّر عن خاصية المطابقة: مطابقة الشيء لنفسه. وقد أورد "معجم روبير" الفرنسي بأنّ الهوية تدلّ على الميزة الثابتة في الذات، إنها ميزة ما هو متماثل، سواء تعلق الأمر بعلاقة الاستمرارية التي يقيمها فرد ما مع ذاته أم من جهة العلاقات التي يقيمها مع الوقائع على اختلاف أشكالها. لكنّ الهويّة لا تفهم دائما في إطار المطابقة الصرفة مع الذات وإنّما في تفاعل مع ما هو مغاير أو مختلف.
         2- غير أن تركيز "جون لوك" على الهوية الشخصية بما هي ما تختصّ به الذات من تفرّد ووحدة يشمل  الوعي بالذات وتمثل الفرد لها لا يؤمّن لنا إدراك هوية هذا الشخص من جهة انتمائه الاجتماعي أو الثقافي لذلك يجب أن لا تفهم دائما في إطار المطابقة الصرفة مع الذات وإنّما في تفاعل مع ما هو مغاير أو مختلف.
يتحدّث الفلاسفة اليوم وخاصة علماء الاجتماع عن هوية اجتماعية تتمثل في كلّ ما يؤمّن التعرف على الذات من الخارج وترتبط بجملة من الأنظمة التي تشترك فيها الذات مع الأعضاء الآخرين داخل المجتمع الواحد، فالهوية الاجتماعية تمثل الأساس الذي يستمدّ منه أيّ مجتمع اختلافه وتميّزه عن المجتمعات الأخرى، كما يتحدث الأنثروبولوجيّون عن هوية ثقافية تتضمّن كل ما هو مشترك بين جميع أفراد المجتمع. و هكذا يمكن القول عموما بأن الهوية تعني ما به يكون الشيء هو نفسه، فهي حقيقة الشيء أو الشخص المشتملة على صفاته العينية فالهوية تشير إلى الخصوصية والوجود المتفرّد الذي لا يقع فيه اشتراك ، فهذه التصورات الجديدة تؤكّد على أمر مهم قد أنكره"لوك" ألا وهو تاريخية الهوية، فلا توجد هوية ثابتة ومطلقة ومنغلقة عن خصوصيتها.إن كل تمسك بالهوية الشخصية، ينتهي إلى نتائج سلبية، أهمّها إقصاء الآخر المختلف ثقافيا، ودينيا، ولغويا، وعرقيا إلى خارج الإنسانية والحضارة، من خلال اتهامه بالتوحّش والبربرية، وهذا يؤدي إلى العنف والتعصّب ومنه إلى تأزّم الهوية نفسها.
خلاصة القول أن مطلب الهوية بالنسبة لكل فرد وكل جماعة هو شرط وجود، لأنه من دون تعريف الذات على نحو يمنح الوحدة المستمرة والترابط بين الخصائص والتصورات والقيم والأدوار والوظائف والاختلاف عن الغير والقدرة على الفعل لا يمكن إثبات الوجود والاضطلاع به فعليا. ولكن التمسك بالخصوصية سيقترن بمخاطر الانسياق نحو كبرياء نرجسي يختزل ما هو إنساني في تلك الخصوصية ليقصي كل غير خارجها معتبرا إيّاه أقلّ قيمة، فتكون نتيجة ذلك "المركزية الإثنية".



الإنساني بين الكثرة والوحدة الخصوصية والكونية


الإنساني بين الكثرة والوحدة
الخصوصية والكونية
المدخل الإشكالي:
ما الذي يبرّر التفكير في مسألة الخصوصية والكونية؟
يبدو أنّ ما يسم الواقع الإنساني من تعدد وتنوع واختلاف، وما يميّز الإنساني من نزوع نحو الكوني من ناحية وما يمثل القاسم المشترك في الفضاء الإنساني من ناحية أخرى بما هو مؤشر على الوحدة، أو الوجود النوعي للإنسان من ناحية أخرى ما يشرّع النظر في مثل هذه المسألة، علاوة على ما اقترن به واقع الاختلاف من صراع أو صدام وعنف مورس تحت شعارات مختلفة، فحرب الآلهة أو الحرب باسم الدفاع عن حقوق الإنسان أو من أجل نشر قيم الحق أو دفاعا عن الكرامة الإنسانية أو باسم مقاومة الإرهاب، مقابل ظهور أقليات تدافع عن حقّها في الاختلاف والاعتراف بها بما هي وجود أو كيان مستقل، له هويته المميزة، ما يفيد أنّنا نعيش اختراق ثقافات لخصوصية ثقافات أخرى باسم الكوني، مقابل انغلاق ثقافات معينة على نفسها دفاعا عن الخصوصية ورفضا للكونية، وما تثيره هذه وتلك من جدل يعكس عند البعض أزمة هوية ويعكس عند البعض الآخر أزمة تضخّم الهويات.
كيف يمكن للخصوصية أن تنفتح على الكونية دون أن تفقد خصوصيتها؟ ألا يمكن النظر إلى الكونية بما هي الحفاظ على الخصوصية؟ أم هل علينا أن نختار ما بين الخصوصية والكونية؟ ألا يمكن للكونية أن تكون أفق الخصوصية؟ وإذا اعتبرنا أنّ الكوني قيمة نوعية فهل علينا اليوم أن ننقذ الكوني من مخاطر الفراغ الأنطولوجي الذي قد تولده الدعوات المدافعة عن الخصوصيات أم علينا أن ننقذ أنفسنا من كوني لا يفيد إلا صورة مجرّدة للعدم؟ ألا ينبغي أن نميّز بين كوني ينبغي إنقاذه وبين كوني ينبغي أن ننقذ أنفسنا منه؟ وبأي معنى يمكن أن ندافع عن الخصوصية  ونعيشها دون القطع مع الكونية؟
تفترض معالجة جملة هذه الإشكالات النظر في العلاقات الممكنة بين الخصوصية والكونية  [علاقات تناظر- تشارط- تكامل –تقابل...] وما تثيره من مفارقات، إذ يمكن مبدئيا القول بأنّ الخصوصية تستدعي الكثرة والتنوّع والفوضى، في حين تحيل الكونية على الوحدة والنظام. فهل يعني ذلك أنّه ليس بالإمكان التفكير في هذه المسألة إلاّ وفق ما تسمح به هذه الثنائيات، أي الفردي في مقابل الكلّي والوحدة في مقابل الكثرة والفوضى في مقابل النظام؟ ألا تترجم هذه الثنائيات عن رؤية اختزالية، تنتهي عادة إلى الانتصار لقطب والتضحية بالآخر؟ تتحوّل هذه الثنائيات على مستوى التجربة البشرية إلى مفارقات تتلخصّ في تمزّق الإنسان بين إنشداده إلى الخصوصية والتفرّد وتوقه إلى الكونية.
يقتضي التفكير في إشكاليات العلاقة بين الخصوصية والكونية  منهجيا التساؤل عن دلالة الخصوصية ومقوّماتها. بأيّ معنى نفهم الخصوصية؟ وما دلالة الكونية؟ وهل يعني ذلك إمكان تجاوز القول بالكونية بما هي نفي للخصوصيات؟ لكن ما دلالة الكوني وما مشروعية القول بالكوني أو الدفاع عنه؟
يفترض الحديث عن الكوني التساؤل عن علاقته بالكلي؟
يمكننا المجازفة بالتمييز بين الكوني والكلي من جهة اعتبار الكلي ما يفيد المنطقي المعرفي ، أما الكوني فيحيل على سجل قيمي.
لكن ألا يمكننا أن نقارب الكوني من نماذج تفكير مختلف كأن نقاربه من جهة الطبيعة ومن جهة الوظيفة؟ فعلى مستوى الطبيعة يحيل الكوني على ماهية ثابتة، على ما هو نوعي في الإنسان وعلى ما هو مشترك بين البشر، أو ما يوحد الجنس البشري.
أمّا على مستوى الوظيفة يمكننا أن نعتبر الفكر كما الكلام الوظيفة النوعية للإنسان أي مجال الكوني، دون أن ينفي هذا الذي نعتبره كونيا الخصوصية، فإذا كانت اللغة خاصية نوعية وكلية فإنّ الألسن متعددة، وإذا كان الفكر مجال الكلي فإن تفكيرنا مختلف وإذا كان الرمز مجال الكوني فإن الرموز تختلف صورها وتتعدد دلالتها، وإذا كان المقدس حاضرا في كلّ المجتمعات فإنّ صورته وفعله وفعاليته تختلف. وهو ما يحيلنا على النظر إلى الخصوصي بما هو فضاء الثقـافـات [الكثرة] أما الكوني فيحيل على فضاء الحضارة[الوحدة]، وأنّ الإنساني لا يستقيم ما لم نأخذ مأخذ الجدّ واقع الكثرة في الخصوصيات دون نفي الوحدة التي يعبر عنها الكوني.
على ضوء هذا القول ألا يبدو استشكال العلاقة بين الخصوصي والكوني مفتعلا ولا مبرر له؟ ألا تبدو العلاقة من البداهة بحيث لا تثير من جهة المفهوم إحراجا طالما أنّ علاقة الكل بالجزء والعام بالخاص، والوحدة بالكثرة علاقة تضمن بديهية، فلم إثارة مشكل يبدو لا وجود له إلا بصورة وهمية؟
يبدو أنّ الواقع الإنساني بما يتضمنه من تناقضات هو  ما يثير مشكل العلاقة هذا. فالكوني من جهة الواقع ليس بمثل النقاء الذي نصوره من جهة المفهوم وهو ما يدفعنا لإثارة علاقة الكوني بالإيديولوجي وبالإيتيقي، فأي معنى للكوني إذا ما قاربناه إيديولوجيا؟ وأي معنى له في دلالته الإيتيقية؟


يفهم الكوني الإيديولوجي بما هو كوني هيمنة، ليتحرك الكوني بذلك ضمن أفق العقل الأداتي، أو الحسابي، أفق المصلحة بدل الحقيقة أفق النجاعة بدل القيم، وهو ما يتجلّى واقعا، في العولمة التي تبشر بالوحدة على حساب الكثرة، وباسم الوحدة تتلف الخصوصيات، وهو ما يؤشر على أزمة تواصل.
إنّ الدفاع عن الخصوصية لا ينبغي أن يحمل على معنى رفض الكوني وإنما رفض الكوني الهيمني دفاعا عن كوني كلية الإنسان ووجوده النوعي.
قد تختلف الثقافات، وقد تتعدد نظم عيشها، وهو تعدد لا يشرع لأحد الحكم على الآخر بالوحشية أو التخلف أو إعدام حقه في الاختلاف، تعدد يدفعنا إلى النظر إلى الاختلاف بما هو علامة ثراء من أجله نتواصل على أساس التكافؤ والتفاهم لا على أساس استراتيجي، من أجل إنقاذ الكوني من الكوني أو إنقاذ أنفسنا من كوني طلبا للكوني.
I- في دلالة التواصل ومقوماته:
النص السند: "الإنسان حيوان رامز" . كاسيرر.ص: 102
مدخل إشكالي: عندما تناول ديكارت الإنسان واختزله في بعده الواعي فإنه ميز الإنسان بالطبيعة عن الحيوان. فالفرق بين الإنسان والحيوان حسب ديكارت هو فرق بالطبيعة، فالإنسان عاقل والحيوان "لا عقل له البتة" كما وضح ذلك ديكارت في رسالته إلى "الماركيز دي نيوكاستل" وهكذا فإن ديكارت يكون قد أفرد قولا خاصا بالإنسان قولا ميتافيزيقيا ينزّل الإنسان منزلة خاصة في العالم.
الإشكالية: ما دلالة القول بأن الإنسان كائن رامز؟ وما طبيعة العلاقة بين الإنسان والعالم؟
الأطروحة: يؤكد "كاسيرار" أن الفرق بين الإنسان والحيوان ليس فرقا بالطبيعة وإنما هو فرق بالدرجة فالإنسان هو حيوان أكثر تطورا من بقية الحيوانات ، أكثر تطورا إلى درجة أنه يحدث نقلة نوعية تجعله يتميّز راديكاليا عن الحيوان، هذه النقلة النوعية تتمثل في الوسائط التي أنتجها ليتواصل مع العالم ومع الآخر.
مراحل الحجاج:       1- دلالة القول أن الإنسان كائن رامز:
                                2- طبيعة العلاقة بين الإنسان والعالم:
التحليل:
      1- إذا كان العلم قد انتهى مع البحوث البيولوجية إلى اعتبار الحياة قائمة بذاتها بحيث يمثل كلّ كائن عضوي كيانا فريدا من نوعه فإنّ "كاسيرار" يعتبر أن العالم الإنساني تمكن من تحقيق تحوّل نوعي يفرق نهائيا الحياة الإنسانية عما سواها وهذا التحول النوعي لا يتمثل في مستوى تغير كمي يتمثل في توسع دائرة الوظيفة لدى الإنسان وإنما "اكتشاف الإنسان بمنهج جديد" يقول كاسيرار جعله قادرا على أن يكيف نفسه بحسب مقتضيات البيئة التي يعيش فيها، فالإنسان مقارنة بالحيوان لا يعيش فقط في واقع أوسع من حيث أبعاده وإنما أنتج الإنسان لذاته واقعا جديدا خاصا به، واقعا يقوم على الوساطة، وساطة الأنظمة الرمزية، و ما يميز الإنسان عن الحيوان هو إذن، حسب "كاسيرار"،  قدرة الإنسان على الترميز أي أن يتواصل بواسطة هذا الجهاز الرمزي الذي ينتج دلالات يتشكل بواسطتها معنى العالم، فالإنسان يتميز عن بقية الكائنات لأنه كائن بيوثقافي.
لذلك ينقد "كاسيرار" رومانسية "روسو" الذي اعتبر تحول الإنسان نحو اكتساب خصائص جديدة غير طبيعية فيه علامة فساد لإنسانية الإنسان. ذلك أن ما هو إنساني في الإنسان حسب "روسو" هو الطبيعي وكلّ إضافة غير طبيعية في الإنسان لا تؤدي  إلا إلى فساده و تمثل انحطاطا بالنسبة للنوع الإنساني. و "رومنسية" "روسو" جعلته يقرّ  في أصل التفاوت بأن إنسان الطبيعة أفضل حالا من إنسان المجتمع مما جعله لا يتوانى على الإقرار في "العقد الاجتماعي": «الإنسان خيّر بالطبيعة ولكن المجتمع هو الذي أفسده». ضد هذه «الرومانسية الحالمة» يقر "كاسيرار" بأن الأنظمة الرمزية تميز الإنسان باعتبارها نشاطا أصيلا لا يمكن أن يرتبط بشيء آخر غير العقل البشري وقدرته على التكيف بل أكثر من ذلك لا يمكن أن نتحدّث عن واقع إنساني قبل هذه النظم الرمزية، ذلك أنها لا تمثل انعكاسا لواقع موجود بصفة مستقلة عنها بل إن الواقع لا يصبح معقولا إلا بفضل الأنظمة الرمزية فهي شرط تعقل الواقع تماما مثلما أن المفاهيم القبلية عند "كانط" تمثل شرط إمكان التجربة ذاتها.
         2- وهذا يعني أن كلّ الوظائف الروحية لدى الإنسان تشارك المعرفة في الخاصية الأساسية من جهة كونها مسكونة بقوة مشكلة في الأصل، قوة لا تكتفي بمجرّد إعادة الإنتاج فتشكيل الإنسان للعالم يكون بواسطة الأنظمة الرمزية. و الأنظمة الرمزية بعيدا عن أن تعبر بطريقة سلبية على الحضور المحض للظواهر، فإنها توجد فيها فضيلة الاستقلالية التي للطاقة الروحية كقيمة خاصة للمثالية، وهذا يصدق على الفن تماما كما يصدق على المعرفة، يصدق على الفكر الأسطوري تماما كما يصدق على الدين.
         فعالم الصورة الذي تتواجد فيه كل واحدة من هذه الوظائف ليس مجرّد انعكاس لمعطى  خبري بل هو على العكس من ذلك مولّد من قبل الوظيفة الرمزية المناسبة  بحسب مبدأ أصيل فكلّ الوظائف الروحية تنتج بهذه الكيفية تشكلاتها الرمزية التي و إن كانت مختلفة تماما عن رموز الذهن فإنها لا تختلف عنها من حيث قيمة مصدرها الروحي، إذ لا يمكن اختزال ولا واحدة من هذه التشكلات في الأخرى فكلّ واحدة تحيل إلى زاوية نظر روحية معينة، وكلّ واحدة تمثل من  هذه النظرة مظهرا خاصا للواقع. فلا يجب أن نرى في الأنظمة الرمزية طرقا مختلفة يتمظهر من خلالها الواقع بل يجب أن نرى في الأنظمة الرمزية طرقا مختلفة يتمظهر من خلالها الواقع في ذاته للعقل، ولكن هي أيضا طرقا مختلفة يتبعها العقل للتموضع في سيرورته الخاصة أي الطرق التي يتبعها العقل في تمظهره لذاته.
         وسواء أخذنا الفن أو اللغة أو الأسطورة أو المعرفة فإنها تؤدي كلها مباشرة إلى ولادة مشكل كلّ مختلف، انتاجات الثقافة (اللغة، المعرفة...) تتماثل رغم اختلافاتها الداخلية في إشكالية عامة وتتقدم كمحاولات لتحويل العالم السلبي للتمثل البسيط أين يبدو الذهن منطلقا في عالم تعبيراته الخاصة. والوظيفة السميولوجية التي تتمظهر في النظم الرمزية تتقدم تحت مظهر موجّه لإنتاج أشياء متمثلة وهذا النشاط يسميه "كاسيرار" التموضع: L’objectivation . فالأنظمة الرمزية هي إذن سيرورات ديناميكية للترميز لا تمثل انعكاسا للواقع الخارجي بل إنها تجعل تمثل الواقع